القاضي عبد الجبار الهمذاني

190

شرح الأصول الخمسة

الجهل والحاجة ، وخطأ قول من يقول إنه لا يدل عليه ، فهذه هي الدلالة العقلية . الدلالة السمعية فأما دلالة السمع فأكثر من أن تذكر ، نحو قوله جل وعز لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ البقرة : 255 ] وأشباهه ، وكذلك فمعلوم ضرورة من دين النبي عليه السلام ، فعلى هذا يجري الكلام في هذا الفصل . هل يكون مع اللّه ثان يشاركه في بعض صفاته لا كلها اعلم أنا قد ذكرنا أنه لا خلاف في أنه ليس مع اللّه تعالى ثان يشاركه في جميع صفاته ، وإنما الخلاف في أنه هل يجوز أن يكون مع اللّه ثان يشاركه في بعض صفاته دون البعض . والمخالف في ذلك هم الثنوية . ثم اختلفوا ، فمنهم من أثبت إلهين : النور والظلمة وقال بكونهما حيين وهم المانوية ، ومنهم من أثبت إلهين النور والظلمة ، وقال : النور حي والظلمة موات وهم الديصانية ولا خلاف بين هؤلاء وبين المانوية في قدمهما وأن العالم ممتزج منهما ، وأن جهة النور العلو وجهة الظلمة السفل ، ومنهم من قال بإثبات ثالث مع النور والظلمة لأنهم لما رأوا أن العالم ممتزج منهما قالوا : لا بد من مازج يمزجه فأثبتوا الثالث وهم المرقيونية . وأما المجوس فهم طائفة من الثنوية أيضا ، إلا أنهم يغيرون العبارة ، فيسمون النور يزدان والظلمة أهرمن . ثم اختلفوا ، فمنهم من قال بقدمها ، ومنهم من قال بقدم يزدان وحدوث أهرمن . ثم اختلفوا في كيفية حدوثه ، فمنهم من قال إنه حدث من عفونات الأرض ، ومنهم من قال لا بل حدث من فكرته الردية ، فإن يزدان لما استوى له الأمر واستتب ، فكر في نفسه فقال : لو كان مضاد ينازعني كيف يكون حالي معه ؟ فتولد من فكرته الردية هذه أهرمن ، فقال له : أنا منازعك ومخاصمك ، وكادا يقتتلان فسفر هناك ملك فاصطلحا إلى أجل معلوم . وعندهم ، أنه إذا جاء ذلك الوقت يغلب حينئذ يزدان أهرمن ويقتله ، ويصفو له العالم . وعند هؤلاء الفرق الأربع ، أن النور مطبوع على الخير لا يقدر على خلافه ، وأن الظلمة مطبوعة على الشر لا يقدر إلا عليه . والذي أداهم إلى هذا المذهب ، أنهم اعتقدوا أن الآلام كلها قبيحة لكونها آلاما ، والملاذ كلها حسنة لكونها ملاذا ، وأن